أحمد عبد الباقي

153

سامرا

شعبين كبيرين لا يخلو من تأثير على التطور الداخلي لدى كل منهما . وإذا كانت التجارة قد تأتي في المكان الأول من حيث إنها عامل في التطور الثقافي للشعوب ، فان العلاقات السياسية أيضا قد خدمت الثقافة في كثير من الأحيان . إذ يتطاحن شعبان فيتبادل المنتصرون والمنهزمون الافكار والعادات والاخلاق واللغات والآداب « 4 » . لقد كان للروم ، كشعب عريق في حضارته ، عاداتهم وتقاليدهم يمارسونها في حياتهم الاعتيادية . كما أن لهم طريقتهم في أصول الحكم ، ولهم فنونهم الخاصة بهم . وانهم يحتفظون بتراث كبير من كتب اليونان في الطب والفلسفة والأدب . وقد اقتبس العرب بعض ما تيسر لهم من ذلك عن طريق المعارك الحدودية التي أشرنا إليها . فان استيلاء الروم على أحد الثغور العربية وبقاؤهم فيه مدة حتى يجلبهم العرب عنه ، يترك بين سكانه شيئا من تأثيرهم ولا سيما في اللغة وأسلوب الحياة اليومية . وذلك بحكم اتصالهم المباشر بهم . وكذلك الامر عندما يقع الاسرى العرب بأيدي الروم ، وكان عدد هم كبيرا نسبيا بسبب كثرة غزواتهم وهجماتهم على الثغور والحصون الرومية . أو عندما يقع الاسرى الروم بأيدي الغزاة العرب ، وكانوا من الكثرة أحيانا بحيث ينادى على بيعهم خمسة خمسة وعشرة عشرة ، كما حصل في معركة عمورية . فيختلط هذا العدد الكبير منهم بأهل دار السلام . فكان هذا الاختلاط عاملا مهما في الاتصال الحضاري والثقافي بين الجانبين . إذ ان كل طرف يقتبس من الطرف الآخر بحكم معايشته قوما يختلفون عنه ، بعضا من عاداتهم وتقاليدهم وأسلوبهم في الحياة ، ويتعلم شيئا قليلا أو كثيرا من لغتهم . ولعل ظهور بعض الشعراء والأدباء ممن كانوا من أصل رومي مثل ابن الرومي الشاعر ، وياقوت الحموي الرومي الأديب البلداني البارع ، دليل واضح على التأثير الذي أشرنا اليه .

--> ( 4 ) العرب والروم / 18 .